عندما يصبح المر حلوًا - مُترجم

الصورة من موقع pixabay


قديما قالوا: " أصل كل شر سوء إستغلال سُلطة." .. بكل تأكيد انحطاط السياسة يفسد الحياة ويصادر أحلامنا في العيش بانسجام وسلام وكرامة..
هذه قصة رجل فاضل حمل القيم التي اوصى بها الله تعالي في ثنايا قلبه.. فتجلت في قدرته العظيمة في تقبل وحب و احترام الآخر..

دكتور حسان حتحوت رجل ذو مبدأ.. قضى حياته في نشر السلام والقيم التي أوصى بها الله في كل موطئ قدم خطاه.. وهو مفكر رائع وكاتب قدير.. في أحد أعماله قام بسرد قصة حقيقية حدثت له ولمست قلبي، جرت أحداثها في عام 1948 خلال الحرب التي نشبت بين الدولة اليهودية الناشئة وبعض الدول العربية.. في ذلك الوقت، كان طبيبا حديث التخرج وكان متمركزا في مستشفى أعدت في مطار مدني تم إخلائه في رملة.. وفي يوم تم نقل سبعة من المهاجمين اليهود إلى المستشفى فتجمهر الجمع ليقتلوهم انتقامًا لذوهيم المفقودين من جراء الحرب.. مد دكتور حسان ذراعيه بجرأة، ووقف في طريق الحشد الغاضب ومنعهم من الحاق أي أذى بالأسري.. وقال لهم: "على جثتي، القرآن يعلمنا أن نرعي الأيتام والمحتاجين وأسرى الحرب".. ثم قرأ عليهم آيات من كتاب الله تفيد المعنى وألقى عليهم وعظ موجز مما دفع الجمع الغفير للاعتذار والانصراف.. أحسن دكتور حسان رعايته للأسرى الإسرائيليين وأهدأ من روعهم وقلقهم..ثم تم ترحيل ستة منهم من قِبَل الصليب الأحمر في غضون أيام قليلة، و ظل واحد منهم لأكثر من شهر بسبب اصابته الخطيرة.. تعود الدكتور حسان كل صباح أن يتجاذب أطراف الحديث مع أسيره الإسرائيلي حتى نشأت بينهما صداقة في ظل هذه الظروف.. وكان المريض اليهودي يفتقد ابنه بشدة فأخذ يشكي معاناته لصديقه الطبيب المصري.. وعندما حان موعد رحيله من خلال الصليب الأحمر صافح الدكتور حسان قائلا: "أنا مدين لك حياتي."

وفي عام 1972، استلم الدكتور حسان خطاب من سويسرا موقّع باسم لم يتعرف عليه في الوهلة الأولي.. بعد أن قرأ الرسالة جيدا، تبين له أنها من مريضه اليهودي! أخبره أسيره القديم بمحاولاته العديدة للبحث عنه طوال 24 عامًا وأخيرا لمح اسمه وعنوانه في أحد الفنادق بفيينا حيث كان يقضي دكتور حسان أجازاته .. وأفاده بأخباره بشكل مكثف، ثم أعرب عن فرحته إذا ما قبل الدكتور حسان دعوته للذهاب لزيارته هو وعائلته في إسرائيل.. رد دكتور حسان عليه بخطاب لبق معتذرا ومعلنا عن استحالة زيارته كعربي لإسرائيل لاحتلالها الأراضي العربية..

بعد أسابيع قليلة، استلم دكتور حسان حتحوت رسالة آخري من صديقه اليهودي، قال له فيها أنه أجرى عمليتين جراحيتين في القلب ثم ألح عليه ثانية لزيارته في إسرائيل.. ثم توقف فجأة خطابه قبل التوقيع و قبل أن يكتمل..و بعد مسافة سطرين ختمت الرسالة بخط مختلف حيث كُتب الآتي: " بعد أيام وافته المنية عن عمر يناهز أربعة وأربعون.. لقد وجدت زوجته هذه الرسالة بين أوراقه وكانت حريصة أن يصلك امتنانهم.. كلماتها تعجز عن الشكر.. فبفضل جهودكم، امتد عمره أربعة وعشرين عاما ليسعد زوجته وعائلته!"

لقد رحل عنا دكتور حتحوت منذ سنوات، ليظل الطريق الذي نهجه باقيا أبدا، فلو حرصنا على اتباع ما جاء به رسل الله، لسادت العدالة وعم بيننا السلام والحب.